مجمع البحوث الاسلامية
98
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
« الخالق والبارئ » قال : في أسماء اللّه تعالى « البارئ » وهو الّذي خلق الخلق لا عن مثال ، ولهذه اللّفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ، ما ليس لها بغيره من المخلوقات . وقلّما تستعمل في غير الحيوان ، فيقال : برأ اللّه النّسمة ، وخلق السّموات والأرض . وهذا الوجه الدّقيق من التّمييز بين « الخالق والبارئ » هو ما يؤنس إليه استقراء ما في القرآن من آياتهما ، وتدبّر سياقها ؛ فالخلق شامل لكلّ شيء ، سبحانه خلق السّماوات والأرض وما بينهما . وكلمة ( بارئكم ) الخطاب فيها لقوم موسى ، و ( البريّة ) في آيتيها بسورة البيّنة ، متعلّقة بالكفّار والمؤمنين : ( شرّ البريّة ) و ( خير البريّة ) . لكن آية الحديد ، يتعلّق فيها الفعل ( نبراها ) بما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا أنفسكم أعني أنّها في غير الحيوان . ولعلّ ابن الأثير نظر إليها فاحترز من التّعميم والإطلاق في « برأ » بقوله : وقلّما تستعمل في غير الحيوان . ( الإعجاز البيانيّ : 493 ) 2 - . . . فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . البقرة : 54 الطّبرسيّ : كرّر ذكر ( بارئكم ) تعظيما لما أتوا به مع كونه خالقا لهم . ( 1 : 114 ) أبو حيّان : كرّر « البارئ » باللّفظ الظّاهر توكيدا ، ولأنّها جملة مستقلّة ، فناسب الإظهار ، وللتّنبيه على أنّ هذا الفعل هو راجح عندي الّذي أنشأكم ، فكما رأى أنّ إنشاءكم راجح رأى أنّ إعدامكم بهذا الطّريق من القتل راجح ، فينبغي التّسليم له في كلّ حال ، وتلقّي ما يرد من قبله بالقبول والامتثال . ( 1 : 209 ) نحوه الآلوسيّ . ( 1 : 261 ) برئ 1 - . . قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . الأنعام : 19 الفخر الرّازيّ : فيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشّركاء ، فثبت دلالة هذه الآية على إيجاب التّوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التّأكيد . قال العلماء : المستحبّ لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشّهادتين ، ويتبرّأ من كلّ دين سوى دين الإسلام . ( 12 : 179 ) أبو حيّان : أمره تعالى : أن يخبرهم أنّه لا يشهد شهادتهم ، وأمره ثانيا : أن يفرد اللّه تعالى بالإلهيّة ، وأن يتبرّأ من إشراكهم . وما أبدع هذا التّرتيب أمر أوّلا بأن يخبرهم بأنّه لا يوافقهم في الشّهادة ، ولا يلزم من ذلك إفراد اللّه بالألوهيّة ، فأمر به ثانيا ليجتمع مع انتفاء موافقتهم إثبات الوحدانيّة للّه تعالى ، ثمّ أخبر ثالثا بالتّبرّؤ من إشراكهم ، وهو كالتّوحيد لما قبله . ويحتمل أن لا يكون ذلك داخلا تحت القول ، ويحتمل - وهو الظّاهر - أن يكون داخلا تحته ، فأمر بأن يقول الجملتين ، فظاهر الآية يقتضي أنّها في عبدة الأصنام . ( 4 : 92 )